September 4, 2014

دعاة الهوية السومرية أو السومريون الجدد

وهم مجموعة من المغتربين العراقيين يروجون لفكر علماني قومي جديد يحمل لواء المظلومية التأريخية للشيعة في وسط وجنوب العراق ورفع إضطهادهم عبر العصور ويدعو الى إعتبارهم أحفاداً للسومريين وامتداداً للحضارة السومرية (التي بادت وانقرضت قبل 4آلاف عام)[1]ويدعو الى فصلهم في إقليم أو دويلة سومر الجديدة.[2]

 قصة السومريين الجدد بين الواقع والخيال

إن الدعوة الى التمسك بالحضارات القديمة ليست بالجديدة وتعود جذورها الى أواسط القرن العشرين وتعتبر كرد فعل على التيار القومي العربي الذي كان سائداً آنذاك وقد ظهر هذا الفكر في مصر كما في لبنان، وفي العراق ظهر متأخراً في أوساط المغتربين العراقيين في أوربا من الشيعة (وبتشجيع من المسيحيين والاكراد) اللاجئين والهاربين من بطش نظام حزب البعث القومي العروبي والذي اضطهد الشيعة لأسباب طائفية بالرغم من انهم عرب أقحاح واعتبرهم قادمين من الهند والباكستان او إنهم فرس وأعاجم وينظر لهم نظرة دونية. فكانت ردة فعل هؤلاء من هذه الممارسات ان تبنّوا هذا الفكر لينادوا بأنهم أحفاد السومريين أول الحضارات في بلاد الرافدين وأبناء البلاد الأصليين ليثبتوا وطنيتهم وانتماءهم ولتكن لهم هوية خاصة مغايرة لهوية البعث القومية فأنكروا إنتماء عشائرهم العربية الاصيلة الى العرب - وبذلك أكدوا طعن النظام الصدامي بعروبة شيعة العراق!! - وقد ادعوا وجود تشابه وعلاقة بين المجتمع العراقي في الوسط والجنوب مع المجتمع السومري في الثقافة ونمط الحياة مثل طريقة بناء أكواخ القصب في الأهوار، وإن الشماخ الذي يلبسه أبناء وسط وجنوب العراق مع العقال العربي يمثل شبكة صيد الاسماك السومرية بالرغم من لبس بدو الجزيرة العربية وأبناء اليمن له!! ووجود كلمات سومرية في اللهجة الدارجة في جنوب العراق رغم إنها لهجة عربية وهي قريبة من اللهجات الخليجية وإن صح إدعاءهم وجود كلمات سومرية فحالها حال آلاف الكلمات التركية والفارسية والإنكليزية الداخلة في اللهجة العراقية رغم إنها عربية القواعد والمبنى، وغيرها من الإدعاءات والتي لا أساس علمي تأريخي لأكثرها بل مجرد وحي خيال لمؤلفي هذا الفكر. بل وصلت الإدعاءات الى حد إعتبار الهجمات الإنتحارية الإرهابية والفتاوى التكفيرية التي يتعرض لها العراقيون عامة وشيعة العراق بالخصوص - ومصدرها بعض البلدان العربية - هجمات للبدو على حضارة سومر.[3] والهروب من السبب الحقيقي وهو الطائفية والتكفير الذي يطال شيعة العراق والمنطقة وحتى غير الشيعة بل وإن الشيعة عبر التأريخ تعرضوا للإبادة أينما وجدوا لأسباب مذهبية وتأريخية. راجع هذه الروابط

أكراد ومسيحيين وشيعة مغتربين و...

ومروجي هذا الفكر هم من المغتربين الشيعة في أوربا ويشجعهم بعض المسيحيين والأكراد وهناك شكوك حول دعم منظمات اوربية وغربية لهذه التوجهات وشكوك أخرى حول دعم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني لهذه التوجهات.

تساؤل مشروع

المثير للإستغراب والشك إن وادي الرافدين ووسط وجنوب العراق غني بالحضارات القديمة ولانرى هؤلاء يدّعون الإنتساب لهذه الحضارات مثل الأكدية والكلدانية والبابلية أو شعوبها التي تنحدر من القبائل والآرامية العمورية وهي قبائل سامية مهاجرة الى وادي الرافدين من جزيرة العرب، بينما السومريين هم أقوام مختلف في أصولهم وإن كان أكثر علماء الآثار والمؤرخين يعتقدون إن السومريين هم أقوام غير سامية (بل ويعتقد كثير منهم إنهم مهاجرين من بلاد أخرى على الأرجح من آسيا)[4] ويبدو إن هذا هو السبب الحقيقي في إتخاذ الحضارة السومرية دون غيرها في دعوى هؤلاء السومريين الجدد لينفوا النسب العربي عن عشائر وسط وجنوب العراق - وإن كان بعض المؤرخين وخصوصاً العراقيين يعتقدون إن السومريين أقوام سامية وهم أيضاً أسلاف للعرب الحاليين.[5]

تناقض بين العلمانية والدين والنبي السومري المستعرب!!

بالرغم من إن فكر السومريين الجدد يعتمد على المظلومية التأريخية للشيعة في وسط وجنوب العراق كما أسلفنا ليكسب تعاطف وتأييد العوام الا إنه فكر علماني وينادي بعض رواده ومروجيه بالتخلص من الهوية العربية والإسلامية؟!! ولايخفي البعض الآخر منهم إلحادهم وعدم إيمانهم بأي دين وإنهم لادينيين. بل ويتجرأ بعضهم على إعتبار الإسلام مؤامرة عربية لإجتياح البلدان المجاورة والإستيلاء عليها بدعوى نشر الدين. ويتمادى آخرون أكثر ليصبغ التشيع بصبغة سومرية فيدعي إن التشيع في وسط وجنوب العراق هو خلط بين ديانة المحتلين العرب أي الإسلام! والديانات السابقة التي كانت سائدة في بلاد الرافدين (وهذه مغالطة تأريخية أخرى فالديانة السائدة بين قبائل جنوب العراق قبل الفتح الإسلامي هي المسيحية مع أقلية مجوسية ولم يكن وجود لأي ديانة سومرية قديمة إلا في خيال مؤلفي هذا الفكر بينما نشأ التشيع في المدينة المنورة وجاء الى العراق مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)) وهذا الإدعاء الخطير هو مطابق لإدعاء الوهابيين وأعداء الشيعة من إن التشيع بدعة وثنية في الإسلام وإن الشيعة كفار يجب قتلهم؟!! ولكن السومريين الجدد ولكي يتجنبوا الصدام مع عقيدة الشيعة في الولاء لنبي البشرية محمد (ص) وأهل بيته الكرام، إختلقوا مغالطة تأريخية كبيرة وهي إن النبي محمد وأهل بيته الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم) ينحدرون من عدنان وهو ينحدر من إسماعيل بن إبراهيم الخليل (ع) وهو سومري مستعرب من أور [6](وهذا إدعاء باطل)، وبالتالي فإن النبي وأهل بيته الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم) وقريش أصبحوا سومريين مستعربين أيضاً وهذه القصة فيها مغالطتين الأولى أنه لايوجد أي دليل ثابت على أصل إبراهيم الخليل (ع) سوى رواية التوراة التي تقول إنه آرامي[7]، والآراميين هم قبائل سامية مهاجرة من جزيرة العرب. والمغالطة الثانية هي اعتبار كل القبائل العربية العدنانية التي تنتسب الى إسماعيل بن إبراهيم الخليل (ع) هم سومريين وهذا يعني ان نصف الشعوب العربية كما إن نصف الشعب البدوي في السعودية والخليج هم من السومريين المستعربين أيضاً وهذا إضافة الى كونه مغالطة لا أساس تأريخي لها فإنه يناقض دعواهم بالهوية السومرية الخاصة بأبناء وسط وجنوب العراق. وقد روى الشيعة والسنة عن النبي والأئمة من أهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم) قولهم بأنهم أفضل العرب وإن أمير المؤمنين (ع) سيد العرب[8].

أبناء وسط وجنوب العراق

وقد وصف أمير المؤمنين (ع) جنوده وأغلبهم من أبناء العراق بأنهم لهاميم العرب[9]، وكذلك وصفه لأهل الكوفة بأنهم سنام العرب[10]. فمن يجرؤ على تكذيب أمير المؤمنين (ع)؟. ومن حقنا أن نسأل، إذا كان أبناء وسط وجنوب العراق ليسوا عرباً بل أحفاد السومريين فعلاً، فأين ذهب أحفاد الأكديين والكلدانيين والبابليين الذين بنوا حضارات ودول وهؤلاء لاعلاقة لهم بالسومريين لأنهم ينحدرون من القبائل الآرامية والعمورية وهي قبائل سامية مهاجرة الى وادي الرافدين من جزيرة العرب وقد جاؤا بعد السومريين. وهذا ثابت لدى جميع المؤرخين وعلماء الآثار العراقيين والأجانب. وأيضاً أين ذهب أحفاد جيوش الفتح الإسلامي التي فتحت العراق وقامت ببناء الكوفة والبصرة واستوطنتها، وإستولت على الأراضي الزراعية التي كان بحوزة الأمراء الفرس الساسانيين والتي أصبحت بيد الفاتحين وهم قبائل جاءت من اليمن لفتح العراق. وحتى القبائل الموجودة قبل الفتح الإسلامي كانت قبائل عدنانية لها صلات نسب مع باقي القبائل العدنانية التي تقطن شمال جزيرة العرب. فمن غير الممكن أن تختفي ذرية هؤلاء جميعاً وهم متأخرين عن السومريين الذين اختفوا منذ آلاف السنين ليأتي اليوم من يدعي الإنتساب لهم؟!! إن المجتمع العراقي في وسط وجنوب العراق هو مجتمع عشائري قبلي يفخر بإنتسابه القبلي العربي ومن المعيب في أعرافهم أن ينكروا أصولهم وينتسبوا الى قوم غابرين في كتب التأريخ والخرائب الأثرية بسبب عقدة نقص حضاري يعانيها بعض المغتربين في أوربا. وإن هذه الدعوة للهوية السومرية ستكون أرضية خصبة لفتنة بين العشائر في وسط وجنوب العراق مستقبلاً على أساس هذا سومري وذاك عربي.

إقليم أو دولة سومر الجديدة ومشروع بايدن الأمريكي

إن السومريين الجدد وكما أسلفنا يدعون الى تقسيم العراق وتأسيس إقليم أو دويلة سومر المستقلة لفصل الشيعة بإعتبارهم أحفاد السومريين!! يتطابقون بذلك مع دعوة الأكراد وبعض دعاة التقسيم والأقلمة من العرب السنة الذين لايرغبون بحكومة عراقية تهيمن عليها الأغلبية الشيعية، وهم أشد المؤيدين لمشروع بايدن لتقسيم العراق الى ثلاثة أقاليم[11]، وكلما صرح ونادى بايدن بمشروعه نجد السومريين الجدد أول المنادين والمؤيدين لهذا المشروع ووسيلتهم هي الإنترنيت ومواقع التواصل الإجتماعي كالفيسبوك وغيره للعزف على أوتار الطائفية ومظلومية الشيعة وإستغلال ردة فعل المواطن العراقي الشيعي على الإعلام العربي ودعم البلدان والشعوب العربية للمنظمات الجهادية المتطرفة. وهذا التقسيم لا ينفع شيعة العراق وسيكونوا أكبر الخاسرين فيما لو حصل لأن الأحزاب والمليشيات الشيعية ستدخل صراع نفوذ على المناطق وحقول النفط والموانئ والعتبات المقدسة، والتهديد المستمر لهم من قبل المنظمات السنية المتطرفة سوف لن ينتهي وسيستمر لأن هذه المنظمات المتطرفة لاتعترف بالحدود ولا بالتقسيمات بل سيكون بيدها سلاح جديد ضد الشيعة وهو مصادر المياه.
الكرد والتركمان أيضاً يدعون الإنتساب الى السومريين راجع هذه الروابط
راجع موضوع هجرات سومرية في ويكيبيديا عن أصل السومريين حسب آراء علماء الآثار والمؤرخين

المصادر

1.       ^ دياكوف وكوفاليف، الحضارات القديمة، ترجمة نسيم واكيم اليازجي، دار علاء الدين، دمشق، 2000، ج1، الفصل السابع، ص96
5.       ^ عبدالمنعم المحجوب: ما قبل اللغة.. الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية، ط1، دار تانيت للنشر والدراسات، 2008، طرابلس – تونس. ط2. دار الكتب العلمية، بيروت، 2012
7.       ^ التوراة -العهد القديم من الكتاب المقدس/سفر التكوين/الإصحاح 24/مقطع10
8.       ^ الخصال للشيخ الصدوق وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج7 وج22 وج37 وج44 ومسند الإمام الرضا (ع) ج2 وغيرها
9.       ^ نهج البلاغة/ومن خطبة له (ع) في بعض أيام صفين برقم (106)
10.   ^ نهج البلاغة/باب رسائل أمير المؤمنين (ع)/ الى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة الى البصرة برقم (1)